الشريف الرضي
271
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
فالجواب : أن هذه الآية نزلت على سبب ، كما جاءت به الرواية ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله ندب الناس ثاني يوم أحد إلى اتباع المشركين ، تقوية لقلوب أصحابه ، وتجلدا على أعدائه ، وكان بالمسلمين من جوائح [ 1 ] الجراح ومواقع السلاح ما انتزع قواهم [ 2 ] وأثر في تماسكهم ، حتى كان بعضهم يحمل بعضا عند خروجهم في هذا الوجه ، ضعفا عن الاستمرار على المشي ، والدوام على السعي ، فلما ندب صلى الله عليه وآله الناس إلى الخروج قال المنافقون للمؤمنين - على طريق التهييب لهم والمكر بهم - : قد رأيتم ما لقيتم بالأمس من أعدائكم ، وأنتم في باحات دياركم ومدارج أقدامكم ، حتى لم يفلت منكم إلا الشريد ولم ينج منكم إلا القليل ، أفتصحرون لهم اليوم وقد قل عددكم وضعف جلدكم وأسرع القتل في رجالكم ! ، فأوقع الشيطان قول المنافقين في قلوب بعض المؤمنين ، فأنزل الله سبحانه ( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ) والمراد يخوفكم من أوليائه الذين هم المشركون ، أو يخوفكم بكثرة عدتهم ، وحدة شوكتهم . وقد يجوز أن يكون المراد ههنا بالشيطان بعض الانس ، لان هذا الاسم يقع على الجني والانسي جميعا ، قال سبحانه : ( شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض . . . الآية ) [ 3 ] . ثم قال سبحانه : ( فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) أراد تعالى :
--> ( 1 ) : جمع جائحة ، وهي : الهلكة أو لبلية ، وفي ( خ ) : جوائف جمع جائفة وهي : الطعنة التي تبلغ الجوف . ( 2 ) وفي ( خ ) : ما أسرع في قواهم . ( 3 ) الانعام : 112 .